الفيض الكاشاني

347

أنوار الحكمة

المستقيم في الدنيا وجهان : أحدهما أدقّ من الشعر ، والآخر أحدّ من السيف ، وهما مظلمان لا يهتدي إليهما إلّا من جعل اللّه له نورا يمشي به في الناس . ولهذا ورد في الخبر « 1 » : أنّ الصراط يظهر يوم القيامة للأبصار على قدر المارّين عليه ، فيكون دقيقا في حقّ بعض ، وجليلا في حقّ آخرين ، وأنّهم يعطون نورهم على قدر أعمالهم ؛ فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه ، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ، ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه ، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ، حتّى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على إبهام قدمه ، فيضيء مرّة وانطفئ مرّة ، فإذا أضاء قدّم قدمه فمشى ، وإذا طفئ قام . ويصدّق هذا الخبر قوله تعالى : نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ [ 66 / 8 ] والسعي مشي ، وما ثمّة طريق إلّا الصراط ، وإنّما قال بِأَيْمانِهِمْ لأنّ المؤمن في الآخرة لا شمال له ، كما أنّ الكافر لا يمين له . وبالجملة - النور ، نور القوّة النظريّة ، وبحسبه يمشي الإنسان طريق الحقّ بقوّته العمليّة ، والانحراف عن الوجه الأوّل يوجب الهلاك : إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ [ 23 / 74 ] . والوقوف على الوجه الثاني يوجب الشقّ والقطع « 2 » وإليه أشير بقوله - عزّ وجلّ - : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [ 11 / 113 ] وقوله : اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ 9 / 38 ] . فالصراط المستقيم هو الوسط الحقّ بين الأطراف ، ولا عرض له ، ولذلك ليس في قدرة البشر الاستقامة عليه إلّا من شاء اللّه .

--> ( 1 ) مأخوذ من الأحاديث وقد ورد ما يقرب منه في المستدرك للحاكم : كتاب الأهوال ، 4 / 590 . والترغيب والترهيب : كتاب البعث ، فصل في الحشر ، 6 / 184 ، ح 5162 . ( 2 ) في هامش النسختين : « قال استاذنا - دام ظله - : وجه ذلك أنّ هذه العدالة ليست كمالا حقيقيّا ، لأنّ ذلك منحصر في نور العلم وقوّة الإيمان والمعرفة ، بل هي أمر عدميّ وصفة نفسانيّة عدميّة اعتداليّة من جنس أطرافها ، والركون إليها والاعتماد عليها يوجب الإخلاد إلى الدنيا ، لأنها من الدنيا أيضا - وحبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة » ( مل : + منه دام فيضه ) .